عندما عدتُ إلى المنزل جلست متهاوياً على السرير وتركت العنان لدموعي. ساعةً أمضيتها في عرسك وأنا مبتسم كالأبله ودموعي توجّع أعماقي.. تطالبني أن أمنحها حق التسلل إلى عيني.
أمام فستانكِ الأبيض تمزقت ستائر النافذة الوحيدة التي كنتُ أطل منها إلى الحياة التي أحب, وصارت نافذتي شاحبة دون رونق أو جمال. مع ابتسامتكِ وأنتِ تسيرين قربه طويت أشرعة الأمل وباتت سفينتي بلا أشرعة تتخبط في بحر الحياة الهائج دون مرفأ. كنتِ جميلة في فرحكِ.. فرحكِ؟! ربما هو فرح كل الحاضرين بكِ ولكن هل هو فرحكِ أنتِ حقاً؟ ليته يكون كذلك, لعلي أعزي نفسي قليلاً. كان ذنبي أني تركتكِ تتسربين من بين أصابعي دون أن أربط إصبعكِ بخاتم، وأقنعتكِ أن ما بيننا صداقة وحسب! كان جبني وخوفي وفقري وضعفي أسلحة حاربني بها القدر ليأخذكِ مني. واليوم أحضَرُ عرسكِ مبتسماً وأعطي حزني موعداً بعد احتفالي بكِ. هاهو قد جاء دون تأخر, فالحزنُ دائماً دقيق المواعيد لا يؤجل ولا يتأخر ولا يلغي موعداً, عكس الفرح الذي ننتظره ونتوقعه ونستعدُ من أجله, فلا يصل في موعده بل يفاجئنا دائماً في وقتٍ غير متوقع. الفرح يعشق الصدفة ويعيش في أحضانها. ننظر بعده في المرآة فنجد أننا لم نتحضر له كما يجب. الفرح يهوى المفاجأة, يحب أن يأتي ونحن على طبيعتنا دون تكلفٍ أو رسميات. فإذا لبسَ أثوابه المزينة وجاء على موعد يصبح فرحاً مزيّفاً مهما كان حقيقياً, وأنا اعتدت على الحزن وأصبحت لا أنتظر سواه. أذكر يوم قابلتكِ وأنتِ تصعدين السلم إلى شقةِ أختكِ المقابلة لشقتنا, وأسرني لون عينيكِ المشع وتلك النظرة البراقة التي أذابت سكر جمالكِ في كوبِ قلبي، وأصبحتُ ألاحق أخباركِ وأتفقد الباب كي أحفظ ساعةَ وصولكِ وساعةَ ذهابكِ. وكان من حظي أن أختكِ الحامل بحاجة لمساعدتكِ. كم تهيبتُ وكم خشيتُ تلك اللحظة التي قررتُ فيها أن أحييكِ, ودخلتُ إلى منزلي مصفقاً لأنكِ رددت لي التحية بابتسامةٍ ساحرة, طافت بي السعادة فظننتُ أني ملكتُ الدنيا, وكأني بحتُ لك بحبي وفعلتِ. عندما تكررت التحيات قررتُ أن أدعوكِ إلى فنجان قهوة في مكانٍ عام, وأذكرُ أني لم أنم تلك الليلة وأنا أخطط كيف سألقاكِ على الدرج وكيف سأحييكِ وأي عباراتٍ يجب أن أستعمل لتقبلي دعوتي و... وجاء الصباح ولم أعرف النوم, لكنني كنتُ سعيداً كمن حضّر للامتحان وأصبحَ واثقاً من دراسته. لم أكن بحاجة للكلمات فالإعجاب ينطق وحده, لا يحتاج لحاستي النطق والسمع, بل كثيراً ما يكون أعظم منهما وأسمى. بعد فترةٍ من علاقتنا الراقية الجميلة توقفتُ ذات يومٍ أمامَ ذاتي, أو وقفتْ ذاتي أمامي تخاطبني.. تسائلني.. هل أنتَ قادرٌ على الخطبة والزواج؟ هل تملك الشجاعة لتذهب بملاليمك إلى بيتِ أبيها فتطلب يدها؟ وكم من الوقتِ تحتاجُ بعد لتصبحَ جاهزاً وأنتَ لا تدخلُ عملاً إلا ويتربص بكَ الفشل؟؟ هزتني هذه الأسئلة بعنف كموجٍ يخترقُ فجأة سكون البحر الذي كان يغمرني! اكتشفتُ أنني لا أليق بكِ! وقررتُ يومها بجرأةٍ لا مثيل لها أن أدعكِ تعيشين حياتك. كانت أحمق جرأة قمت بها في حياتي, وبدأت أنسحب بهدوء. رأيتُ الدهشة مراراً على وجهك، وسمعتُ الاستغراب في نبرة صوتكِ. لم أخبركِ الحقيقة فقد كانت عمليتي الانتحارية تستلزم السرية! كم أسخر اليوم من بطولتي السخيفة تلك, لم أعتقد أن كل هذه الزوبعة ستهب في أعماقي وأنا أراكِ تتزوجين وتبدئين حياةً جديدة. أوراقي المبعثرة على المكتب كانت لكِ رسائل, سأجمعها وأغلق عليها الخزانة كما أغلق قلبي عن الحب. سأتابع حياتي, أعدّ أيامي أو لا أعدّها, لا أشعر بشيء.. لا أكره شيئاً ولا أحب شيئاً.. كأنني تمثالٌ نفخت فيه خطأً روحٌ بشرية فلا هو قادرٌ على مجاراتها ولا هي استطاعت أن تشده إليها. سأضيع كما معظم البشر في صمت الأيام اللامبالية دون أن أهتم بالطقس أو بالتاريخ أو بالزمان أو بالمكان. سأعيش لأنني مرغمٌ على الحياة, وبعدكِ أنتِ لن تعني لي الزهورُ عطراً, ولن يحمل لي القمرُ أحلاماً ولن تستيقظ الشمس على حياتي. بعد زواجكِ اليوم ستستسلم عواطفي لقدرها، وسيرفع قلبي العلم الأبيض رافضاً الدخول في حربٍ جديدة مع عشقٍ جديد, فلا يليق الحب بسكوني. أخبرتكِ عيناي يوماً أني أحبكِ فناداني قلبكِ لأصافحه لكن أصابعي فكرت بالمستقبل فعلمت أنها لا تملك ما يجعلكِ تعيشين معي بسعادة وتراجعت.. لم تتمسك بيدكِ الغالية, نسيت عندها أن السعادة ليس لها عنوان وليس لها قواعد أو قوانين, إنها لحظاتٌ قصيرة كان يمكن لنا أن نسرقها معاً من الحياة. تركتكِ ترحلين بل دفعتكِ للرحيل لأعيش أخيراً هذه الليلة ولينتهي حلمي الذي قتلته بيدي. أعلم أنني فاشل لم أستطع إنجاز عملٍ كامل في حياتي, لكن لعل حبكِ هو الوحيد الذي تبرعم في أعماقي ثم كبرَ حتى صارَ ثمرة ناضجة ولم أجرؤ على قطفها, ترددت لأنني لا أملك صحناً خزفياً يليق بها, فقطفها هو.. مالك الصحن الخزفي. سأنام الآن لأنني متعب وليس لكي أحلم بكِ , فاليوم تنامين قربه وأبقى أنا وحيداً فاشلاً مجدداً أعظم فشلٍ في حياتي. المصدر: نساء سورية ارسال لصديق
فقط الأعضاء المسجلين هم يستطيعوا اضافة تعليقات. قم بتسجيل الدخول أوالتسجيل بالموقع. |