Saturday, 31 July 2010
الافتتاحية arrow إبداعات arrow خاتم الروح
خاتم الروح ارسال لصديق
التقييم العام: / 0
سىءممتاز 
Tuesday, 09 September 2008

قصة: د . أدريانا إبراهيم

كانت تدرك أنها مختلفة عن بنات جيلها, اهتماماتها, طريقة تفكيرها,

نمط حياتها, وعالمها الخاص.لكنها سعيدة وقادرة على الانسجام معهن والدخول إلى عالمهن, لكنّهن عاجزات عن مشاركتها عالمها الجميل, حيث تحلّق روحها بعيدا فيه بأجنحة من نور.‏‏

كانت النسمات الباردة تلفح وجهها, وتداعب خصلات شعرها الأشقر الطويل, ويداها في جيبها تتلمّسان النقود, شدتّ عليها بغبطة, وارتسمت صورة الخاتم في مخيلتها, فحثّت الخطى إلى الموقف, وبدأت انتظارا طويلا نهش كثيرا من صبرها, وعندما أتى الباص قفزت إليه كالريشة. كان الازدحام شديدا والجو دخاني خانق, وهدير المحرك طغى على كل الأصوات, وقد نجحت في الحصول على زاوية حمتها من تدافع الآخرين, لكن بخار الماء شكل غشاوة على زجاج النافذة حجبت عنها رؤية الأشجار وهي تعدو إلى الوراء, فعادت إلى عالمها الداخلي.‏‏

تذكرت صديقتها حنين وتلك الأمسية الشتوية منذ حوالي الشهرين بجانب المدفأة, عندما كانت ألسنة النار تغني على الأنغام التي تعزفها أصابع الريح على أوتار المطر. كم تحب حنين وأحاديثها التي تنسجها بشفتيها ويديها وخصلات شعرها التي تاه الليل في عتمتها, وكم يعجبها بياض تلك اليدين و التماع الخاتم في خنصرها. أمسكت يد حنين وسحبت الخاتم منها, أدخلته إِصبعها, راحت تتأمله, تلألأ في إصبعها, انسكب الألق على كل يدها, وشعرت أن كل أصابعها قد أنست له. أدهشها أن يفعل خاتم كل ذلك, وتساءلت: لماذا لا تفكر بشراء خاتم؟!‏‏

سألتها حنين: هل أعجبك الخاتم ؟ حسنا, سأريك أشياء أخرى.‏‏

وذهبت إلى غرفتها وعادت بعلبة مخملية حمراء مليئة بالأطواق والخواتم والأساور.‏‏

سألتها بجدية: ماذا تفعلين بكل هذا ؟‏‏

أجابتها باستغراب: أتحلّى بها !‏‏

- هكذا؟ دفعة واحدة ؟!‏‏

- لا , أنها لأمّي وأختار منها ما أشاء.‏‏

- لو كانت هذه الأشياء لي, لبعت نصفها واشتريت بثمنها كتبا.‏‏

نظرت إليها باستنكار وقالت: إذن لماذا لاتبيعين هذا الطوق الذي في عنقك وتشتري بثمنه كتبا؟‏‏

ابتسمت وقالت: لولا زعل أمي لفعلتها منذ زمن طويل.‏‏

داعبته بأصابعها واستدركت: لكنني أحبه, وقد ألفه عنقي وأشعر أنه بات جزءا مني.‏‏

عادت إلى الخاتم وسألتها: كم سعر هذا الخاتم يا حنين؟‏‏

- ثمانمئة ليرة.‏‏

بعملية حسابية بسيطة أدركت أنها يمكن أن تحصل على واحد مماثل خلال شهرين تقريبا, أجل هذه المرة لن تشتري كتبا, ستشتري خاتما.‏‏

اعتادت أن تدخر من مصروفها الخاص, فلا تحمل والدها أعباء رغباتها الخاصة, فكان ذلك يشعرها بالرضا, مهما كان نوع مشترياها, وإِن كانت الكتب أهم ومعظم ما تشتري.‏‏

والدها غير مقتنع بما تفعله: بكل هذه المبالغ تشتري كتبا !!..فلتشتر ثيابا أكلا..لكن كتبا ..!!‏‏

لم تكن تلومه, وقد حاولت جاهدة أن تقنعه بأهمية الكتب, لكنها أدركت أنه من العبث أن تطالبه بأكثر من إِمكانياته. كانت تعلم حدود عالمه, تستوعبها وتحيد عنها بصدام حينا, ومن دونه أحيانا. لم يفهمها عندما قالت له وهي تداعب ياقة قميصه, وتطبع قبلة على خدّه, أن الحياة أكثر من طعام وشراب ولباس ونوم, لكنه لم يملك إلا أن يهز رأسه مبتسما مستسلما كعادته دائما عندما لا يفهمها. كان يدرك رجاحة عقلها, لكنها تحلّق إِلى آفاق أبعد بكثير من منظوره.‏‏

انقضى الشهران وانقضت معهما فترة التقشّف التي عاشتها.‏‏

لم تصدق أنها تمكنت من مقاومة شهيتها للحلوى كل تلك المدّة, حتى الفلافل نجحت في التغلب على رائحتها ومفعولها, فكانت تسرع بخيالها إلى كل ما يمكن أن يوقف إفراز عصاراتها الهاضمة, تتذكر ما قرأت من مقالات عن أضرار الزيت المقلي , تتذكر بائع الفلافل و يديه اللتين تحضّران السندويشة, وبنفس الوقت تمتدّان إلى الأوراق النقدية الوسخة, فتنجح أيّما نجاح, ويلتمع الخاتم ويكبر ليملأ فضاء روحها السعيدة, فتبتسم له, وتستعجل القادم من الأيام .‏‏

بأقل من شهرين جمعت مايكفي لشراء خاتمها المنتظر, ووالدها لم يبخل عليها بمئة ليرة أعلمها أنها حرة التصرف بها.‏‏

- حتى لو اشتريتُ كتابا ؟؟‏‏

- حتى لو اشتريتِ مئة كتاب !‏‏

- لكنني هذه المرة سأشتري خاتما.‏‏

- خاتما ؟! إذن خذي.‏‏

وامتدت يده إلى بضع ورقات نقدية أخرى‏‏

- شكرا, لقد قرّرت أن أشتري هذا الخاتم من مدخراتي.‏‏

مسح على شعرها وقبلها من جبينها, فما أروعه من والد !‏‏

أفاقت من شرودها على صوت السائق (الحمد للـه ع السلامة )‏‏

فنزلت من ذاك الجوّ الخانق, لكن جوّ الشارع لم يكن أكثر رحمة .‏‏

بخطى مسرعة حاولت اللحاق بقلبها, كانت تمشي وعيناها الخضراوان معلقتان على واجهات المحلات والألبسة المعروضة, أعجبتها موضة الموسم, لكنها كانت على عجلة من أمرها, مرة أخرى برفقة أمها, وبدعم ماليّ من والدها ستشتري ما تريد من ألبسة .‏‏

قرّرت أن تقصد المكتبة أولا, ثم تذهب لشراء الخاتم.‏‏

على باب المكتبة شعرت بروحها تغرد سعادة, وعندما دخلت رحّب بها صاحب المكتبة بحرارة, فقد أصبحت من روّادها المعروفين.‏‏

ألقت نظرة على الكتب المصفوفة بإتقان, فتذكرت حبيبها البعيد الغارق دوما في بحر الكتب والمطالعة, شعرت به يطوى المسافات ويقف إلى جانبها, يأخذ يدها ويغرقان في بحر الكتب, فيشع قلباهما ثقافة, وينبض فكراهما حبا. شعرت بشوق عارم إليه, فأغمضت عينيها وخبأته بعيدا في قلبها, وراحت تتأمل العناوين, فماذا ستختار؟ انتقلت من قسم إِلى آخر وغرقت في الحيرة, فهل من كتاب يمكن أن ينتشلها؟ أرجعت كتابا وتصفحت آخر, وهاهم ينادونها, كتاب في العلوم ذكّرها بنقاش دار بينهما يوما, مجموعة شعرية, ورواية لكاتب يتحدث عنه حبيبها دوما ويقرأ له كثيرا. نظرت إِلى الأسعار, فاطمأنت أن معها ما يكفي, عندها شعرت أن كل بحار العالم تموج في قلبها حبّا لحبيبها. فكّرت بالخاتم, فلاح لها من دون بريق. وضعت الكتب أمام البائع, وحاسبته, فأعاد لها مئة ليرة‏‏

قائلا: هذه كرمى لك.‏‏

شكرته وانطلقت تضمّ كتبها إلى صدرها, سعيدة بكنزها الجديد.‏‏

عرّجت على محل أشرطة الكاسيت, اشترت شريطا لعبد الحليم حافظ, وخرجت تدندن بإحدى أغنياته. شعرت أن كل الدنيا تغني معها, ومزامير السيارات لم تصل إلى أذنيها إلا وقد أصبحت زقزقة عصافير, أما دخانها الأسود, فقد ارتسم على شبكيّة عينيها غيما أبيض. تملّكتها رغبة عارمة بالجري, لكن شوارع المدينة لم تكن لتتسع لقفزات روحها, تمنت لو كانت في دروب حارتها لتحلّق منها مع العصافير, وتطير فوق الغيوم.‏‏

تذكرت الحلوى, فقصدت محل الحلويات. اختارت أكبر قطعة من الكاتو المغطى بالشوكولا, أكلتها بشهية, غير عابئة بالكريما وهي تلوّث وجهها. تابعت سيرها إِلى مطعم الفلافل, طلبت من البائع سندويشة, حرصت أن تتحاشى النظر إِليه وهو يحضرها, فراحت تتأمل المارة والسيارات, وعندما ناداها أخذت السندويشة, نقدته ومشت وهي تقضمها بنهم, فكم اشتهت تلك الطعمة!!‏‏

في خط العودة مرّت أمام محلات الذهب, توقفت قليلا تتأمل الخواتم, قالت في نفسها: في الخطة القادمة, وابتسمت.

المصدر: ملحق الثورة الثقافي


ارسال لصديق

  أضف تعليق

فقط الأعضاء المسجلين هم يستطيعوا اضافة تعليقات.
قم بتسجيل الدخول أوالتسجيل بالموقع.

 
القائمة الرئيسية
الافتتاحية
أخبار سورية
نوافذ المحافظات
أخبار الاقتصاد
عربي و دولي
تحقيقات ساخنة
مقالات
تعليم و تدريب
عالم المرأة و الأسرة
صحة و علم نفس
تكنولوجيا و اتصالات
إبداعات
رياضة
منوعات
مساهمات القراء
أبواب ثابتة
من نحن
تواصل معنا
أعلن معنا
لوحة الإعلانات
خريطة الموقع
تسجيل الدخول





هل فقدت كلمة المرور؟
ليس لديك حساب سجل الآن
استبيان
ما رأيك بالموقع بشكله الجديد
 
المتواجدون حالياً
يوجد الآن 98 ضيوف يتصفحون الموقع
Top! Top!