طالب عربي جاء دمشق دارساً راغباً في التحصيل العلمي العالي فكان له ما أراد إذ منحته جامعة دمشق شهادة الدكتوراه في الآداب- قسم اللغة العربية وآدابها «الدراسات الأدبية»
بقرار صادر عن مجلس الجامعة يحمل الرقم 1254 تاريخ 26/2/2008 عن بحث مقدم بعنوان: «الرواية السورية ورؤية الواقع الاجتماعي 1950 – 1980» فسُرَّ صديقنا العربي بقرار الجامعة السورية إلا أن منغصات بدأت تقض مضجعه مفادها حديث في أروقة الجامعة بدأ يكبر شيئاً فشيئاً يقول: «إن الطالب سرق صفحات بالعشرات وربما أكثر من أطروحة دكتوراه منحت بموجبها ذات الجامعة شهادة الدكتوراه لمدرسة تدرس في ذات القسم» وثمة من أكد «أن الطالب ضمَّن أطروحته صفحات كثيرة من مراجع أخرى دون إشارة».
هل ما زال موثقاً جيداً؟
وبعد أقل من عشرين يوماً من قرار مجلس الجامعة كانت «الوطن» نشرت تحقيقاً في عددها رقم 348 تاريخ 16 آذار 2008 بعنوان («دال» الدكتوراه بات مطلوباً حياً أو ميتاً.. طالب عربي يسطو على أطروحة دكتوراه في جامعة دمشق) وأثار يومها الموضوع ردود أفعال بين مرحبة وعاتبة ومتحفظة وكانت الدكتورة المشرفة على الأطروحة قالت لـ«الوطن» «كل ما يدور من حديث حول هذا الموضوع هو من باب التقول والادعاء» وأضافت: «الطالب موثق جيد.. وقد أقسم (هاتفياً) إنه لا يعرف المسروق منها ولم تقع عينه على أبحاث لها..».
منح وسحب.. وكيلا تضطر..
ما حدث بعدما أثارت «الوطن» القضية أن شكلت لجنة نظرت في ملابسات أمر منح شهادة الدكتوراه للطالب العربي وانتهى مجلس الجامعة خلال جلسة انعقدت بتاريخ 1/7/2008 «إلى اقتراح سحب الشهادة التي منحت نظراً لثبوت نقله من أكثر من كتاب دون أن يشير إلى ذلك في ثبت المراجع والمصادر في نهاية الرسالة التي أعدها ونوقشت مناقشة علنية ومنح على أساسها الدرجة العلمية.. وانتهى المجلس بقراره رقم 2204 إلى الموافقة على طي قرار مجلس الجامعة السابق المتضمن اقتراح الموافقة على منح درجة الدكتوراه وسحب الشهادة التي منحت للطالب».
لأكثر من مرة فشلت في أن أجد الدكتورة المشرفة كي أقف عند رأيها مجدداً وهي التي وُجّه إليها إنذار من جامعة دمشق «نظراً للأمور المنسوبة إليها في التحقيق» وأملت الجامعة في «ألا يتكرر مثل ذلك في المستقبل كيلا تضطر إلى اتخاذ العقوبة الأشد».
د. حلواني: إن كانت لا تدري..
د. فاديا مليح حلواني الأستاذة في جامعة دمشق والتي تعرضت أطروحتها للدكتوراه إلى «سرقة صفحات كاملة بالعشرات» تحدثت عن مسؤولية الأستاذ المشرف على الرسائل الجامعية من الناحية الأكاديمية معتبرة هذه المسؤولية «كبيرة من الجوانب كافة» ومن هذا المنطق تضيف د. حلواني «أكد قانون تنظيم الجامعات أهمية دور الأستاذ المشرف ومنحه مزايا عديدة منها احتساب الإشراف في الترفيع من حيث المرتبة ومنحه (القانون) تعويضات مالية إضافة إلى احتسابها في نصاب العمل».
ومن هذا المنطلق تعقب د. حلواني: «لا أستطيع أن أخلي مسؤولية المشرف عن أي نقص في الرسائل معالجة أو معلومة أو تحليلاً أو نتائج» وتأخذ د. حلواني بعين الاعتبار «عدم الإغلاق على الطالب إمكانية الانفتاح والتوسع» لكنها بالوقت ذاته تشدد على أن هذا الأمر «يتطلب منهجاً علمياً دقيقاً وصدقية في الرجوع إلى المراجع والمصادر على الأستاذ المشرف مسؤولية التدقيق» معقبة «أما أن يتجاهل المشرف مرجعية المصادر والأفكار المقتبسة عند طالبه فهذا أمر مرفوض أكاديمياً لا بل مستهجن كما هو حال الطالب الذي أشرفت عليه زميلتنا الدكتورة المشرفة» معتبرة تضمين رسالة دكتوراه أكثر من 100 صفحة من رسالة أخرى «يدخل في نطاق السرقات العلمية» وإذا كانت د. حلواني ترى أن «مسؤولية الطالب كبيرة فإن مسؤولية المشرف أكبر بكثير وينطبق عليها قول الشاعر:
إن كنت تدري فتلك مصيبة
وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم».
وتؤكد د. حلواني أن المواد المسلوبة من رسالتها هي من «كتاب لها مطبوع نشرته دار الأهالي بدمشق 1997 بتقديم أ. د. عبد الكريم الأشتر أستاذ الأدب الحديث في جامعتي دمشق وحلب سابقاً» وتؤكد أيضاً «أن الزميلة د. المشرفة سبق أن حضرت مناقشة الرسالة في مدرج شفيق جبري بكلية الآداب عام 1997» مشيرة إلى أن مجلس قسم اللغة العربية «رفض تسجيل موضوع الطالب حين عرضه في المرة الأولى يوم كان د. علي أبو زيد رئيساً للقسم لكن إصرار الدكتورة المشرفة على تسجيله حين عرضه مرة ثانية بعد تولي د. عبد النبي اصطيف رئاسة القسم لاقى الموافقة».
أما بخصوص رفض موضوع الرسالة في المرة الأولى فترده د. حلواني إلى أنه «يدخل في إطار تخصص الأدب السوري الروائي الحديث الذي يحتاج إلى معايشة أدبية وفكرية لواقع الأدب السوري الحديث إضافة إلى واقع الحياة السياسية السورية» وهذا أمر تعتقد د. حلواني أنه «لا يستطيع طالب غير سوري معالجته علمياً ما لم يكن أديباً متخصصاً في الشأن السوري ومعايشاً من خلال مؤلفاته ودراساته النقدية لهذا الموضوع».
طربوش: لا أعفيهم من المسؤولية
د. أمين طربوش عميد كلية الآداب بجامعة دمشق لم يكن في المرة الأولى التي التقيته بها يعرف شيئاً عن «عملية السرقة وتداعياتها» وفوجئ يومها بما يحدث في أروقة كليته وراح يسأل عن التفاصيل وبعد صدور قرار الجامعة بسحب شهادة الدكتوراه من الطالب حمَّل طربوش جميع الأطراف المسؤولية ولاسيما المشرف والمناقشين «لكونهم من أصحاب الاختصاص والمفروض أن يكون لديهم اطلاع على الأبحاث التي طرحت في هذا المجال» مشدداً «أنا لا أعفيهم» ويرى طربوش أن الطالب استطاع بطريقة ما أن يخفي ما قام به عن الأستاذة المشرفة «لكون الموضوع المنقول عنه هو أطروحة دكتوراه وقلما يعود إليه أحد إلا إذا كان بحاجة إلى نفس الموضوع» ويعقب عميد الكلية «في النهاية لا يصح إلا الصحيح وكل شخص ينال جزاءه العادل» معتبراً أن الطالب استخدم أساليب «غير مقبولة علمياً في كتابة بحثه».
ورداً على سؤال إن كان قرار سحب الشهادة هو سابقة في جامعة دمشق يتذكر طربوش «كنت وكيل كلية في الثمانينيات ويومها سحبت شهادة دكتوراه من طالب جزائري كان قام هو الآخر بسرقة أطروحة دكتوراه» أما كيف تم الكشف عن السرقة حينذاك.. فيروي عميد الكلية «حدث أن الطالب/ الدكتور السارق انتقل بعد سنوات ليدرس في القسم ذاته الذي يرأسه الدكتور المسروق منه فاكتشف الأخير أن أطروحته منقولة حرفياً فراسل جامعة دمشق مرفقاً صورة عن الأطروحتين فشكلت لجنة تبيَّن لها صحة الاتهام فصدرت القرارات اللازمة بسحب الشهادة».
المارديني: جزء من الحق
بدوره أ. د. محمد عامر المارديني نائب رئيس الجامعة للشؤون العلمية اعتبر المسألة ضعفاً في الإشراف «يفترض بالأستاذ المشرف متابعة طالبه وتحسس مقدرته على الكتابة فيما لو كان النتاج فوق قدرة الطالب أم لا» ويسحب د. المارديني هذا الكلام أيضاً على لجنة الحكم لكنه يضع لها الأعذار ويعتبر أن عليها جزءاً من الحق «لجنة الحكم لا تملك- حسب الزخم الأدبي الكبير- قدرة مباشرة على الحكم إن كان النتاج مسروقاً أم لا» وعموماً يجمل د. المارديني رأيه «لم يكن ثمة عناية معمقة في القراءة أو في الحكم على نتاج الطالب من قبل المشرف أو من السادة المناقشين».
صندوق: لا نطعن بالأشخاص
د. م عباس صندوق أمين جامعة دمشق يشدد على أن «المسألة تتعلق بالأمانة العلمية وبعدما ثبت للجنة المشكلة للتحقيق في ملابسات القضية أن الطالب أخذ من مراجع عدة دون أن يشير إليها في ثبت المراجع» وأضاف إن مجلس الجامعة «درس الحالة من الناحية القانونية ولابد من إعادة النظر» معتبراً أن ما اتخذته الجامعة حتى الآن هو «إجراءات احترازية» فاتحاً الباب نحو إجراءات أخرى «هناك إجراءات قانونية قد تكون مشددة أو مخففة تبعاً للقوانين» ويوسع صندوق دائرة الاحتمالات «هناك خطوات أخرى لمعالجة المسألة بشكل كامل.. مجلس الانضباط ينظر بالأمر وله الحق في اتخاذ إجراءات» ويشير أمين الجامعة إلى أن للطالب «حق التظلم» ويلفت إلى أنه «لا أحد معصوماً عن الخطأ... نحن لا نطعن بالأشخاص وأماناتهم فالمسألة علمية بحتة وأصابها خلل والجامعة أنظمة وقوانين وليست أشخاصاً».
المصدر: الصحف السورية - علي الحسن
فقط الأعضاء المسجلين هم يستطيعوا اضافة تعليقات.
قم بتسجيل الدخول أوالتسجيل بالموقع.