| حالة نادرة.. |
|
| Tuesday, 26 August 2008 | ||||
|
نور الدين الهاشمي أمك مريضة... إنها مريضة جداً هذه المرة... تعال بسرعة أرجوك وأحضر الدكتور وديع معك.. ثم تلاشى صوت أخي على الهاتف مختنقاً بدموعه.... دخلنا غرفة أمي فتدفقت أمواج الذكريات يثيرها كل شيء...
السجادة بألوانها الباهتة... الستائر المطرزة بأزهار اللوز.. الكراسي وساندها المتعبة... الخزانة القديمة وخيالاتي مع أخوتي الصغار ووديع نمشط شعرنا ونمد لها ألسنتنا... ماكينة التطريز الصامتة المغطاة التي أسهمت في إطعامنا وتعليمنا.. الأريج الذي تنشره شجيرة الياسمين وقد أطلت من النافذة الشرقية.. كان جسد أمي يحتل جزءاً يسيراً من الغرفة بعد أن ذوى إلى حد اليباس فصغر إلى حد أطمع فيها أحفادها فأكثروا من عناقها ومحاولات حملها. - صباح الخير يا حجة! قالها وديع مبتسماً وهو يخرج أدواته الطبية.. فتحت أمي عينيها وأشرق طيف ابتسامة على وجهها المتعب. - جئتك بابنك الدكتور وديع.. ازداد إشراق الابتسامة على محياها وتأملت الطبيب بحنان وحب.. وديع أخي بالرضاعة شاركني ثدي أمي شهراً كاملاً.. سألت أمي مرة وأنا أرنو إلى ثدييها المتهدلين: - كم ولداً أرضعت يا أماه؟ شردت أمي قليلاً ثم أخذت تعد على أصابعها وتعد... ربما خمسة عشر... أو أكثر... نسيَتْ.. فكثيراً ما تمرض في حارتنا أم طفل أو تغيب... فتنوب عنها في إرضاع الطفل حتى تشفى أو تعود... لم نكن نعرف حليب الصفيح الذي يسري في عروق أطفالكم. - وأخي وديع ... كيف أرضعته...؟ - مرضت أمه بالحمى بعد ولادته... كان يصرخ من الجوع ومع ذلك فقد رفض جميع الأثداء ولم يقبل الرضاعة من أم سوايّ, رضعتما معاً وأعانني الله... وديع صديقي تلازمنا معاً منذ درجنا أطفالاً نتشارك في اللعب والخصام ومقعد الدرس... وتربية القطط والكلاب وصيد العصافير... والسباحة في النهر... لا يفصلنا شيء حتى توهم كثير من الناس أننا توءمان وتفرقنا أول مرة حين دخل معلم الصف في أحد الأيام متجهماً وقال: - درسنا الآن تربية دينية وعلى الطلاب المسيحيين الذهاب إلى الشعبة الثانية! تلكأ وديع في الخروج والتصق بي.. أصر المعلم.. فتوسل باكياً أن يبقى أو أذهب معه... صرخ المعلم مهدداً... فخرج خافض الرأس يداري دموعه. فحص وديع جسد أمي. أصغى بهدوء إلى بقايا خلجات الحياة فيه... وحين انتهى لمحتُ القلق في عينيه... أخذني جانباً وهمس بألم: - دقات القلب في اضطراب شديد... شيء عجيب... لا أدري كيف يستمر بعمله... ابتسمتُ بألم: - قلب أمي حالة نادرة! - معك حق.. غادر الدكتور وديع وبقيت قرب أمي ممسكاً بيدها الصغيرة الخشنة التي أعدت طعامنا وغسلت أجسادنا وثيابنا وسرحت شعرنا... مسحت دموعنا وعرقنا وحزننا... تأملت غطاء رأسها الذي انحسر عن شعر رمادي كانت تغني له يوماً وهي تدير ماكينة التطريز: شعري حبال الشمس ومزين بريحان لاسبي بجماله شباب الإنس وسوسِح ملوك الجان.. طافت عيناي فوق الجسد الذي أضحى كومة ضئيلة من جلد شاحب وعظام. ابتسمت حين خطر لي أن هذا الجسد الضامر قد نثر في الدنيا عشرات البنين والبنات والأحفاد.. اشتهت شفتاي تقبيل الوجه الذي لا تغيب عنه الابتسامة أبداً.. فانحنيت ولكن خانتني دمعتان بللت وجهها.. استيقظت أمي... أدرت وجهي ماسحاً دموعي: - ما بك؟! - أنا.. لا شيء! - أين زوجتك وأولادك؟ - في البيت. قالت بصرامة عابسة.. - اذهب الآن إليهم.. أنا بخير.. نهضت.. سرت بضع خطوات... استوقفني سؤالها الغريب.. - متى ستلد ابنة خالك سوسن؟ - ربما بعد أيام.... هكذا يقول الطبيب.. ازدادت صحة أمي سوءاً... كنت أعرف ذلك من الوجوه الواجمة والحزن الذي يزداد عمقاً في عيني الدكتور وديع... وفي آخر ليلة تلاقينا قرب سريرها.. قال وديع: - سأنقلها غداً إلى المشفى.. - ما تشاء.. في الصباح الباكر جئنا معاً.. دخلنا غرفة أمي.. كان سريرها فارغاً.. انتفض قلبانا رعباً.. شحب وجه وديع ..دخل أخي الأصغر بهدوء.. صرخت به فزعاً: - أين أمي؟! - اطوئنا.. ابنة خالك تلد الآن.. وقد أصرت أمك على مغادرة السرير لتكون كعادتها كما تعلم في استقبال المولود الجديد.. - لكنها مريضة! - يبدو أنها تنسى المرض أو ينساها حين يتعلق المر بمولود جيد.. نظر إليّ الدكتور وديع بذهول ثم ابتسم يردد... (حالة نادرة... حالة نادرة ) المصدر: نساء سورية ارسال لصديق
فقط الأعضاء المسجلين هم يستطيعوا اضافة تعليقات. |
||||


أضف تعليق



