| أي خريج نريد من جامعاتنا?! |
|
| Wednesday, 20 August 2008 | ||||
|
د. زهير ابراهيم جبور منذ مايربو على قرن وربع القرن, أطلق الشاعر الأميركي رالف اميرسون صرخته الاستنكارية ضد نظام التعليم السائد في بلده آنذاك متسائلاً:)أليس من السخف أن توجه أفضل المواهب في أفضل سنواتها إلى دراسات لاتقود إلى شيء?! نحن تلاميذ كلمات, نعزف التلاوة نفسها على مدى سنوات, لنخرج في النهاية بكيس هواء!! ينبغي أن تكون الدروس العلمية تجريبية, لأن رؤية كوكب من خلال تلسكوب تساوي فصلاً في دراسة الفلك! في قاعاتنا ومخابرنا,يدرك أن هذه الصرخة لاتزال حية وصادقة حتى هذه اللحظة, وأكثر من يدرك ذلك خريجو كليات الطب والصيدلة والهندسات والعلوم التطبيقية الأخرى!! ولاينسى أي منا حجم الارتباك الذي وقع فيه خلال منعطفين مهمين من المسار العلمي: الأول عندما تخرجنا من الجامعات وتسلمنا عملنا في اختصاصاتنا المختلفة وأدركنا كم أن الهوة كبيرة بين مادرسناه وبين ماهو مطلوب منا في الواقع العملي. والثاني عندما تابعنا دراستنا العليا, حيث بلغت الهوة حداً لايصدق, وكأن لاعلاقة لما درسناه في الجامعات بما تخصصنا به لاحقاً, ولا أبالغ القول: إن الأمر وصل بالنسبة لبعض الاختصاصات الدقيقة مستوى لانحسد عليه, حيث لم يتجاوز مجمل الساعات النظرية في مجمل المناهج الجامعية والتي لها علاقة مباشرة بالاختصاص الدقيق لخمس ساعات!!! ولذلك يبقى السؤال المحوري الذي يطرح نفسه: هل تزود جامعاتنا خريجيها بالمعارف النظرية والتطبيقية التي تؤهلهم فعلاً للانخراط في سوق العمل العلمي والمهني?!! وهذا السؤال يفضي إلى سؤال آخر لايقل أهمية وهو: أي خريج نريد فعلاً من جامعاتنا?! إن الإجابة عن هذين السؤالين تعني الوقوف عند مانحن عليه والتطلع إلى مانصبو إليه وفي الحالين لامهرب لنا من تناول فلسفة التعليم السائدة والكيفية التي يدار بها (العلم) و(المعرفة) في جامعاتنا. وفي هذا السياق استحضر سياسة اللورد البريطاني كرومو في مصر حيث أوكل إلى الجنرال دانلوب مهمة فرض نظام تعليمي يضمن سيطرة بريطانياعلى مصر,وقد قام دانلوب بتنفيذ مهمته مستنداً إلى خاصية معينة من خصائص العقلية الشرقية وهي تقديسها للمكتوب. وقد وجه سياسة التعليم في جميع مراحله نحو الحفظ دون المناقشة, والترتيل دون النقد, ومحاكاة المراجع دون تشريحها وتكوين رأي مستقل فيها, واحترام الكلمة المكتوبة دون امتحانها والتصارع معها فكرياً!!! هذا ماكانت عليه سياسة التعليم البريطانية في المستعمرات, في الوقت الذي كانت فيه الجامعات البريطانية تعتمد على تعزيز التفكير النقدي والتعليم الحواري لدى طلبتها وباحثيها وهو الأسلوب الذي ساد أغلب الجامعات العالمية المنتجة للعلم والمعرفة.ولاتزال الدراسات في السنوات الثلاث الأخيرة تؤكد على حيوية هذا الأسلوب وأهميته في تطوير الجامعات والمثابرة على إنتاج المعرفة. ولايخفى على أي منا أن الأسلوب التعليمي الذي نمارسه في جامعاتنا هو أسلوب التلاوة والتلقين وتقديس المكتوب دون وعي منا أو ربما بسبب عجز بعضنا عن تجاوز هذا الأسلوب, الأمر الذي يضعناأمام ضرورة انجاز مهمتين أساسيتين: الأولى:ضرورة تجاوز النمط التعليمي السائد في جامعاتنا نحو نمط أكثر دينامية, يحقق تفاعلية الطلبة مع المعلومات بحيث لايقتصر دور الطالب على كونه منفعلاً ومتلقياً سلبياً وحسب, وإنما التحول إلى دور الفاعل في سيرورة العملية التعليمية والمنتج للمعلومة عبر تحريضه على طرح الأسئلة المختلفة وتحفيزه على طرح الآراء المناقضة معرفياً لما يقدمه الأساتذة. الثانية:تسريع الإجراءات وتأمين كافة الشروط التي تؤمن الاستجابة والتكيف مع مقتضيات ثورة تقانة المعلومات والاستفادة القصوى من التدفق المعلوماتي الهائل, والاستعداد لمرحلة مابعد ثورة المعلوماتية, أي مرحلة انهيار الأسس التقليدية التي قامت عليها الجامعات والبحث عن ينابيع المعرفة خارج جدران المدرجات الجامعية وحتى خارج حدود الجامعات نفسها!! وهنا لابد من التنويه إلى أن المحاولات الفردية هنا وهناك لن تشكل مناخاً جديداً أو أرضية حقيقية نحو تحويل جامعاتنا باتجاه الإصلاح المنشود والذي تقتضيه مصلحة المجتمع, وكذلك لايمكن تجاهل أن تعزيز التفكير النقدي, في جامعاتنا لاينفصل عن قيمنا السائدة وثقافتنا التي تعاكس هذا الأسلوب من التفكير,ولذلك لابد من القيام بتحويل ثقافي في مؤسساتنا الاجتماعية والتربوية يعزز نمطاً جديداً من التعليم أساسه الحوار والتفكير النقدي, ولعل الجامعة بوصفها تقانة اجتماعية لإنتاج المعرفة الشاملة-على حد تعبير الباحث الإنكليزي فوللر-هي المؤسسة الأقدر على تحقيق هذا الدور وذلك عبر إحداث تغيير بنيوي حقيقي في المنهاج الجامعي, وهذا التغيير هو الأساس في تحديد أي نوع من خريجي الجامعات نريده في مؤسساتنا المختلفة وهو ماسنتناوله في المقالة القادمة. المصدر: الثورة ارسال لصديق
فقط الأعضاء المسجلين هم يستطيعوا اضافة تعليقات. |
||||


أضف تعليق




