|
ارحموا عزيز قوم ٍ.. تقاعد !! عندما تعرف أن واحداً منهم يحتفظ بذكرياتٍ له مع زعم الثورة الكوبية فيديل كاسترو وآخر كان مقرّبا من الزعيم العربي جمال عبد الناصر فيما ثالث حكم في أعقد القضايا وبأحلك الظروف..
ستدرك حتماً حجم الظلم اللاحق بهم حالياً, حتى ليصبح تشبيه علاقتهم بهذا الوطن وعشقهم له بالمثل القائل" ومن الحب ما قتل !!" ستة من المتقاعدين يتحلقون حول طاولة في مقهى الكمال الشعبي بوسط دمشق, يلعبون (المحبوسة) وينفثون دخان الاراكيل والسجائر لينفثوا من خلالها هموم توحدهم جميعاً.. هي هموم ما بعد التقاعد. عزيز قومٍ.. هؤلاء كانوا في ماضٍ غير بعيد ستة ممن شغلوا أرفع المراتب الوظيفية في سلك الدولة, مستشار سابق في محكمة الاستئناف , سفير سابق في أمريكا اللاتينية ولواء متقاعد , مدير العمل الصناعي في وزارة الشؤون الاجتماعية , ومدير سابق لمشفى المواساة وموظف كبير في مؤسسة السينما.. تشكيلة كانت يوماً صاحبة قرار وفضلٍ كبيرين على هذا البلد.. ومازالت بهذه العبارة يفتتح المستشار السابق لدى محكمة الاستئناف عدنان طبنج الحديث معتبراً انه في مكانٍ آخر عدا هذا البلد لكانوا الآن ينعمون بحياة تقاعدية رغيدة تقديراً لما قدّموه من خدمات. يوافق هذا الرأي مدير العمل الصناعي في وزارة الشؤون الاجتماعية سابقاً محسن الأمير يصف ما هم عليه الآن بأنه " حياة بانتظار الموت " كترجمة لمقولة بات جميع المتقاعدين يعتنقونها اليوم وهي " مت وأنت قاعد " فيما يبدو حديث محمد سالم الموظف السابق في مؤسسة السينما أكثر تحديداً فيقول: لسنا سوى جزء من مجتمع, مشاكلنا هي مشاكله, وبالأحرى فإن مشكلتنا هي نتيجة لمشكلة أكبر, فكيف يمكن أن تكون رواتبنا التقاعدية أفضل وأكثر كفاية دوناً عن باقي الموظفين والعاملين في الدولة ليستخلص: إنها مشكلة عامة , والكذبة الكبيرة التي يصدّقها الجميع هي أن الدولة تعطي الموظف والمتقاعد راتباً ومعاشاً.. ويضيف : إنها في الحقيقة شكلٌ من أشكال التعويض عن البطالة لا أكثر.. ويتدخّل الأمير : إن ما نحصل عليه كمتقاعدين تحديداً هو إبرة مورفين بانتظار الموت البطيء ولكن المحتوم تماماً كما المريض بمرض عضال.. تمييز مجحف!! تجمع هؤلاء المتقاعدين وغيرهم كثيرين قواسم مشتركة عديدة أو ما يمكن تسميتها بالهموم المشتركة, إلا أن هناك تمييز واضح فيما بينهم فيما يخص تعامل الدولة مع كل منهم وتحديداً في حجم المعاشات التقاعدية التي يتقاضونها. يقول عدنان طبنج : هناك ظلم كبير يقع على فئة من المتقاعدين يفوق زملاءهم الآخرين وهو تمييز غير مفهوم أبداً فما معنى أن أتقاضى خمسة آلاف ليرة لأن تقاعدي صادف قبل عام 2000 فيما يحصل زميل لي في نفس العمل ممن تقاعدوا بعد هذا العام على أكثر من 18 ألف ليرة؟!! متسائلا: كيف يمكن أن تطبّق قانوناً ما على جزء من الناس وتستثني آخرين معاش مقارب له ذلك الذي يحصل عليه السفير السابق عدنان حمدون الذي مثّل سورية لسنوات في كل من فنزويلا وتشيلي قبل أن يعود إلى الخارجية ويتقاعد بعدها براتب يقارب الثمانية آلاف ليرة مع كل عمليات الشد والإخفاقات والزيادات التي حصلت, مبلغ لا يكفي الرجل الثمانيني ثمناً لأدوية أصبحت ملازمة له باقي أيام عمره. أما الأمين المساعد السابق لجامعة دمشق وتالياً مدير مشفى المواساة ( قبل التقاعد) وليد الحريري فيتقاضى من جانبه نحو 13 ألف ليرة سورية يقول بأنها تشكّل ثلث مصروفه وعائلته ولذلك : توجهت إلى العمل بعد التقاعد في إحدى الجمعيات الخيرية لأسدّ نفقاتي ومصاريف عائلتي. قوانين ولكن: صدرت في السنوات الأخيرة مجموعة من القوانين والمراسيم التي عملت على إزالة السقوف الرقمية للمعاشات التقاعدية وكان أولها المرسوم التشريعي رقم 8 لعام 1995 الذي نصّ على إلغاء هذه السقوف وجعلها مفتوحة بعد أن كانت محددة سلفاً بما يقارب الـ 3450ل.س للمتقاعدين المدنيين مهما كان راتبهم الأصلي الذي كانوا يتقاضونه أثناء عملهم ولكن المرسوم لم يسمح من جهة أخرى أن تزيد هذه السقوف عن أكثر من 75% من الأجر الشهري المقطوع بتاريخ نفاذ المرسوم مضافاً إليه علاوات الترفيع الدورية وهذا ما نصّت عليه المادة الخامسة من المرسوم 8 سالف الذكر ليصدر بعد ذلك القانون رقم 5 لعام 2001 الذي ألغى المادة الخامسة من المرسوم التشريعي رقم 8 وألغى معها السقوف الرقمية للمعاشات التقاعدية والشيخوخة أينما وردت في القوانين النافذة والأنظمة وجاء إلغاء المادة الخامسة لأنها لم تعد تتناسب مع روح المرسوم بل أصبحت تشكّل عبئاً وقيداً على الزيادات الدورية التي حصلت على الرواتب والأجور فيما بعد. وفي عام 2002 صدر المرسوم التشريعي رقم 29 القاضي بمنح أصحاب المعاشات التقاعدية من العسكريين والمدنيين المشمولين بأي من قوانين وأنظمة التقاعد والتأمين والمعاشات والتأمينات الاجتماعية النافذة زيادة قدرها 15% من المعاش التقاعدي إضافة إلى بعض التعويضات الأخرى. أما في عام 2004 فقد صدر المرسوم رقم 63 القاضي بإضافة العمال والموظفين المتقاعدين القدامى حتى عام 2000 فقط ولم يشمل المتقاعدين العسكريين والشرطة وموظفي الجمارك. بعيداً عن الهدف : كل تلك القوانين ورغم محاولتها مقاربة أحوال المتقاعدين وتحسين معاشاتهم فقد بقيت بعيدة عن تحقيق أهدافها وإنصافهم بالشكل المطلوب والأسوأ من ذلك أنها ميّزت بين متقاعد وآخر. يقول المستشار السابق والمحامي عدنان طبنج : إن هذه التشريعات ساهمت من ناحية بتحسين أوضاع المتقاعدين لكنها لم تكن كافية حيث كانت تفتقر إلى العدالة في توزيعها إذ مازال هناك ظلم وغبن وقع على من تقاعد سنة الـ 2000 والظلم الناجم كما يقول عن طبيعة التشريعات والأسس التي يعامل وفقها المتقاعدون بالنسبة لكل زيادة حدثت. فالمرسوم رقم 8 لعام 1995 عدّت أوضاع المتقاعدين لكن لم يصب الشيء المقصود فشمل فقط ( المسقّفين ) الذين يأخذون أقل من 75% وهذه حق محجوب عنهم أساساً فغالبية المتقاعدين قبل سنة الـ 2000 ليسوا مسقّفين لا بالراتب ولا بالسن وبالتالي لم يستفيدوا من التشريع وهؤلاء تبلغ نسبتهم 60% من نسبة المتقاعدين الكلية. وبالتالي يرى طبنج أنه يجب أن يكون هناك إطار واسع وبسيط ولا يحتاج إلى لائحة تنفيذية بهذا التعقيد لإنصاف المتقاعدين قبل عام 2000 مع غيرهم . وبنظرة شاملة لواقع من تقاعدوا قبل سنة 2000 يتبين أنه رغم الزيادات الحاصلة فإن رواتبهم تتراوح بين ( 3-5) آلاف ليرة سورية وهذا لا يلبي نفقات أكثر من شخص واحد بينما يحصل زملاءهم المتقاعدون بعد هذا العام ومن نفس الراتب والوظائف على رواتب تتراوح ما بين (10-15) ألف ليرة سورية أي ما يعادل (3-4) أضعاف المتقاعدين القدامى نظرة اقتصادية : يعتقد بعض الاقتصاديين أن هذا الخلل الذي حدث في رواتب المتقاعدين سيبقى وسيتكرر طالما أن التضخم النقدي وارتفاع الأسعار مستمر وسيؤدي بالنتيجة إلى انخفاض القدرة الشرائية كما سيؤدي إلى مضاعفة أحوالهم سوءاً ومعيشتهم تردّياً وفي هذه المرحلة الصعبة والخاصة في حياتهم . ويدلل هؤلاء على الظلم الواقع على المتقاعدين قبل عام 2000 بأن النسبة التي كانت تقتطع من رواتبهم تبلغ 10% من هذه الرواتب في حين أن ما يقتطع اليوم من رواتب العاملين هو 7% هذا فضلاً عن أن الليرة السورية كانت ذات قيمة تختلف عن قيمتها اليوم . نتيجة لكل ذلك فإن كثيرين من المتقاعدين يعتبرون أن القوانين التي صدرت بخصوصهم قد فصّلت مرحلياً ومرّرت لصالح فئات محدّدة دون غيرها في حين أن المعالجات كان يجب أن تكون شاملة وعادلة للجميع بلا استثناء, وللبدء بتصحيح الخطأ الواقع والغبن اللاحق بهذه الفئة في المتقاعدين ومتابعة شؤون المتقاعدين بشكل عام يقول نائب رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال ( سابقاً) فاروق ثريّا انه أصبح من الضروري أن تكون هناك جهة قوية وفاعلة تعتني بأمور المتقاعدين الاقتصادية والاجتماعية والمعنوية وتساعدهم في تأمين متطلباتهم في مختلف المجالات والمستويات ( تشريعات , رعاية , نوادي...) مضيفا: لقد حاولنا فعلاً إيجاد وتنظيم تلك الأطر والروابط من خلال الاتحاد ولكن لم نستطع أن نرسي قواعدها حتى اليوم , علماً أنه يوجد رابطة للمتقاعدين وهي مؤسسة بقرار من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل منذ الثلاثينات من القرن الماضي كانت تفي بشؤون الموظفين الذين على قانون التأمين والمعاشات, لكنها اليوم وبعد اختلاف الأمور أصبحت محدودة الفاعلية. ويؤكد ثريا: مازلنا على سعينا لتطوير هذه الرابطة بحيث تكون فاعليتها أفضل وتلبي طموح المتقاعدين أو العمل على إيجاد وتنظيم روابط اخرى كاتحاد للمتقاعدين في سورية يضم نقابات للمتقاعدين في كل محافظة أسوة بالتجربة التونسية في هذا المجال. نحن وهم : في بلادنا يحسب الإنسان ألف حساب ليوم تقاعده.. بهذه الكلمات يوضّح السفير السابق عدنان حمدون الفرق في مرحلة التقاعد بين سورية والدول المتطورة مضيفاً: هنا أنت في مواجهة لمرحلة التقاعد.. إذن أنت أمام مستقبل غائم ومجهول لديك الكثير من المتطلبات ولكن القليل من الدعم والإمكانيات. أنت بلا حماية.. حتى أنك تعامل على انّك عبء على المجتمع وحتى على أسرتك أحياناً.. باختصار تعامل على انك متقاعد من الحياة.. أما هناك في بلادهم حيث يعتبر الاهتمام بالمتقاعدين والمسنين وترفيههم معياراً للتحضّر والتطوّر فيستقبل الموظف يوم تقاعده وكأنه عرس أنه يوم الحصول على الحرية وبداية جديدة للحياة الخاصة لذلك تراهم يقيمون الاحتفالات ابتهاجاً بهذا اليوم ومعهم كل الحق فمستقبل الواحد منهم مضمون ومصان وتعويضاته أكثر مما كان يحصّله وهو على رأس عمله. ليس هذا فحسب.. بل إن الامتيازات تتعدى ذلك بحسب الأستاذ طبنج فهناك يعامل المتقاعد معاملة خاصة في كل المجالات فتقدّم له الحسومات في المشافي وفي المطاعم ووسائل النقل.. وفي الواقع يبدأ هناك التقاعد لتبدأ مشاريع المتقاعد معها مرحلة الإنتاج الفكري فهناك يتحول المتقاعد إلى حامل رسالة يبحث عما يثري تجربته الإنسانية ويغنيها يتفرّع للبحث فيصبح متجوّلا أو سائحاً يبحث عن فكرة أو هدف.. ولذلك ترى أن معظم السياح الأجانب هم من كبار السن ( المتقاعدين ). خصوصية المرحلة والمعاناة: ولا يختلف اثنان على أن المتقاعدين هم من أكثر الفئات العمرية تأزّما وضرراً وبمختلف المستويات والمعايير واستناداً إلى أن الحياة متغيرة وبوتائر متسارعة جداً وحتى على صعيد تغيّر القيم هي متغيّرة وهذه التغيّرات كما يقول الدكتور توفيق داوود والأستاذ في قسم علم الاجتماع بجامعة دمشق تلقي بظلالها السلبية وخاصة على هؤلاء. فنظراً لانشغال كل الفئات الأخرى عن هذه الشريحة تراها تعاني من العزلة النفسية والاجتماعية وهي التي أعطت كل ما تستطيع من إمكانياتها وجهدها في حين لم تلق من الرعاية اللازمة المطلوبة أقلّها استناداً إلى هذه المعاناة الذاتية النفسية والاجتماعية تشعر هذه الفئة في كثير من الأحيان بالإحباط وتعاني المرارة والمهانة في الحصول على متطلباتها على المستوى الاقتصادي حيث لم تلحظ القوانين والتشريعات ولم تراع أن من يخرج إلى دائرة التقاعد تصبح متطلباته أكبر وخاصة الصحية منها وبدلاً أن يضاعف القانون من اهتمامه بهذه الفئة العمرية التي تشبه إلى حد كبير فئة الأطفال في حاجاتها يهمشها ويخفف معدل دخلها , الأمر الذي يؤدي إلى حدوث اضطرباً حقيقي في حياة المتقاعدين, اضطراب يمكن أن ترى ترجمته الحقيقية في انزواء معظمهم بانتظار ملاقاة مصيره.. فيما مازال آخرون يكافحون بأشكال مختلفة لإيجاد معنى لحياتهم.. سواء بمتابعة القيام ببعض الأعمال .. أو الدراسات أو باختيار المقاهي للتنقيب عن همومهم ومشاكلهم المشتركة.. طالما أن أقرب المقربين منهم وكذلك حكومتهم قد أداروا لشكواهم وزفراتهم أذناً من طين وأخرى من عجين.. ليرى هؤلاء أنفسهم وقد خرجوا من الحياة وهم مازالوا على قيودها. ارسال لصديق
فقط الأعضاء المسجلين هم يستطيعوا اضافة تعليقات. قم بتسجيل الدخول أوالتسجيل بالموقع. |