|
Sunday, 03 August 2008 |
|
مادلين إسبر عندما تنام الأزهار مع الليل، وتغفو النجوم في حضن القمر، تأتي غيمة لتغطيتها برقة وحميمية. وهكذا يرحل العمر بنا فترة طويلة من الزمن،
وتتلاشى الألوان لتصبح مع الأيام ذكريات، فتسافر نظراتنا إلى آخر الكون، منكسرة وحزينة. صامتون نحن، ننظر بعيون ملأى بالأسى والبلاهة فتتباطأ ضربات قلوبنا مختلسة فرحتنا وابتسامتنا، فيشعرنا كل ذلك بالبرودة في أطراف أصابعنا، وحدقاتنا. ماذا بعد كل هذا..؟ تأتي الأيام لتضاجعنا وترمينا على أرصفة الشوارع، فتسحقنا أرجل السنين، غير مكترثة بهذه الأكوام الخالية من الإحساس. جدتي كانت تحلم بعالم رائع، مدركة بحدسها وحسها، بأن الجمال مسكوب في هذا الكون، لكن هناك يداً خفية تشوهنا وتشوه هذا الكون، فتأتي الشمس إلينا حزينة، وأشعتها تختفي وراء غمامة مجنونة، حتى أشباح الليل تقتحم أحلامنا لتسلبها المتعة والنشوة. جدتي تحلم دائماً وتحكي الحكايات عن الأخيار والأشرار، عن القبح والجمال، فتندمج بذات الله، هذه القوة الخارقة الخلاقة التي تمثل أسمى أنواع الخير، تحلم بأنها حمامة يرفرف جناحاها بحرية، حالمة بأن هذه الجدة سقطت لترى الوجه الآخر للحياة، الوجه المليئ بالهموم والأوجاع، فانهدم الجسر الذي كانت تودّ العبور عليه لتصل إلى الروعة. دائماً نقتل الأحلام والروعة، نلعب القتل بكل أنواعه، فنحن أناس متمرسون بهدم الجسور بيننا وبين الشوق الذي ينادينا، متمرسون بوأد الجمال الذي يتلامح في أفقنا، كالسراب وما فيه من رؤى خلبية، بعد أن جبلنا الله من التراب الحي الجميل، ليخلق آدم فينا، ومن ضلعه ينسل الكائن الذي هو امرأة جميلة، رفيقة، رقيقة، حنوناً، عطوفاً. فمن الذي حوّل هذا التراب الحي، الذي منه جبلنا، إلى صخر أصم، واغتال الضلع ليجعل من ه كتلة خاوية مفرغة من محتوياتها الإلهية؟ أي تراب هذا؟ وأي ضلع وأضلاع بقيت من أسطورة الخلق؟ أين التي أنجبت الأولاد لترى روحها المحلقة فيهم، لتحقق حلمها بالروعة والحرية، لتستعيد جوهرها الذي نخره الشر، ووطأه الردى؟ كبرت الإبنة، وأصبحت وردة جميلة تنظر إلى الشمس بعيون مليئة بالدفئ، ترى الأشجار كل يوم أكثر اخضراراً، تخترق السماء لتندمج بتلك الذات التي طالما اندمجت بنسغ منها وفيها. عادوها الحلم بالأعالي، وبالآمال المرفرفة، والمحلقة إلى الأعلى البعيد. كيف تطير الحمامة في وطن محاط بالشر، بالأعداء، بالقتلة، بسفاكي الدماء، بالذين يحاولون فرض الحصار عليها من كل جهة؟ التاريخ لا يعود هو نفسه. إنه يتحول، يمضي إلى أمام، وفيه شخوص مختلفة، بألوان متنوعة، بأفكار جديدة، بأصوات أكثر عمقاً، أكثر صخباً، أكثر نفاذاً، كي يسمع الله ابتهالاتها. لكن سطوع الألوان المزيفة يعمي الأعين، وتعدد الأصوات يصم الآذان، فالحلم لا يبقى حلماً كما كان، لأنه في حياتنا يتحول إلى إحباط. شابت رموش أعيننا، لا تزال الأيام تضغنا، تجترنا، تبصقنا لقمة سائغة على طريق الخوف، طريق الضياع، طريق العادات المهترئة، والحفيدة تقع أسيرة في قلعة تصوّرتها، أو خيّل إليها أن أسوارها حرية، وسماءها أقمار ونجوم، وأرضها مليئة بالورد والجورية، والأزهار والأقاحية، ثم عاودها الحزن الذي لا تعرف كيف تقاومه، فهذا الشيئ الغامض يحاصرها، لم تتعلم كيف تفك قيده، وبالرغم من كل هذا كانت كل صباح تستيقظ لتداعب أفكارها، وأحلامها المنتظرة، فلا الحلم تجسد ولا النبوءة تحققت. وبقي السؤال: أين عظمة الإنسان وصموده؟ أين قوة روحه وهو يقاوم آلام السنين؟ أين الخير و الجمال والمحبة؟ جدتي كانت تريد أن يتحقق الطيران بابنتها! والأم حاولت أن يتحقق حلمها بابنتها! وها هي تنتظر أن تتحقق النبوءة والحلم معاً، دون أن تدرك أن للسنين والأيام هذا الوجه القاسي المختبئ تحت ملامح قاسية، تحاول جاهدة الانسلاخ عن هذه المكوّرة العجيبة، عن فلك الأرض الدائر بنا منذ قرون مديدة، جاثمة على صدرنا، تكتم أنفاسنا وتمضغنا رويداً رويداً لتذيب فينا التاريخ والأحلام والذكريات. الحلم المخملي الذي يداعب أشواقنا كي لا نسقط في العدم، كيف يحتمل قسوة التخلف والقهر والقوانين الجائرة؟ كيف يحتمل الهزائم النازلة بالناس، والأوطان، والأحلام، وكل الأمنيات الجميلة! العمر ينزلق من بين أصابع السنين، والشعر الأبيض يوشّح، رويداً رويداً، رؤوسنا لأنه دون جدوى أن ننظر إلى ما حولنا، ودون جدوى نرنو إلى النجوم من فوقنا، في أوطان يدب اليأس يوماً بعد يوم في أوصالها، ينسرب عمرناً جيلاً بعد جيل، ونحن نبحث عن الجيل الذي سيحمل الرسالة والنبوءة وإنسانية الإنسان. الحضارة جاءت وذهبت، لم نأخذ منها إلا وجهها المكشوف، وسحرتنا العولمة بتطورها فأطاحت بنا! لم يبق منها إلا ذاك الجسد العاري والوجه القبيح! أهذه هي النبوءة المنتظرة منذ قرون وقرون! أهذا هو الماضي، والحاضر، والمستقبل المنذور للألم، الملتصق أبداً بذكريات مثقلة بالأوهام والشعوذات والمفردات القاتلة؟! إلى متى نظل نعتصر الحلم ليصبح حقيقة؟ إلى متى نغوص في اليأس، وتجرّعه علقماً؟ هل ثمة مدّ بعد هذا الجزر في حياتنا، وفي أوطاننا، وفي الآتي من تاريخنا؟ نعم، بعد الجزر، سيكون مد، وستشرق الشمس من وراء الغيم، لأن رجاء المناضلين لا يخيب إلى الأبد!.. المصدر: نساء سورية ارسال لصديق
فقط الأعضاء المسجلين هم يستطيعوا اضافة تعليقات. قم بتسجيل الدخول أوالتسجيل بالموقع. |