|
العفوية الأمنية: الوجه الآخر لنظرية المؤامرة |
|
|
Monday, 28 April 2008 |
|
يجهد أنصار «نظرية المؤامرة» من دعاة الممانعة والكرّ والفرّ والسيف والترس، على ردّ مجمل السياسات، كبيرة كانت أم صغيرة، إلى سلسلة لا آخر لها من الدسائس والخيانات والمؤامرات.
كذلك حال هؤلاء الأنصار حين يتناولون أمراً ثقافياً أو همّاً فكرياً. الثقافة في عرفهم ليست تحوي الا على مؤامرات. الثقافة عندهم كناية عن لاوعي تآمري جوفي يوقظه ويحرّضه الطرف المموّل. ليس المهم ما يكتب بقدر ما يهم من يكتب. وليس المهم من يكتب بقدر ما يهم من يموّل. «موت المؤلّف» حرّر الطاقات التفسيرية للنصوص في الغرب من رقيبها الداخلي. «موت المؤلّف» عندنا صار اغتيالاً له: المؤلّف لا شيء، تأليفه لا شيء، التمويل كل الحكاية. الثقافة مؤامرة. ينبغي صلي هذه المؤامرة بأشباح الأصالة وكرنفالية الثورة الدائمة. يختزل أنصار «نظرية المؤامرة» اذاً كل من المستوى السياسي والمستوى الثقافي إلى تدبير تآمري يحاول أن يستبيح عرض الأمة المبهمة ويحطّ من عزيمتها. في مواجهة هذه الاستباحة التآمرية يؤدي أنصار «نظرية المؤامرة» دورين مسرحيين في آن، الدور المستغيث والدور المغيث. إذ يصرخ الممانعون: وامعتصماه، على طريقة تلك المرأة من عمورية، وقد استغاثت بأمير المؤمنين كي تكون له هبّة ويحفظ ثغور الأمّة من استباحة الروم لها. في الوقت عينه، يلبي الممانعون النداء الافتراضي الذي يسمعونه من امرأة عمورية، ويلعبون دور «المعتصم». والممانعون، كما يردّون السياسة والثقافة الى نظرية المؤامرة المعادة المكرّرة، والمفضوحة من دون أن يؤدي فضحها الى ايقافها أو تأجيلها، وانما الى المزيد من اللامبالاة والتبلّد حيالها، فإنهم يمسخون المستوى الاقتصادي هو أيضاً حلقة «تآمرية» واضحة كفاية الى درجة لا تعود تتطلّب استكمال عملية نقد الاقتصاد السياسي للقرن الثالث على التوالي، وإنما ترداد الشعارات نفسها عن «آلية النهب» و«استشراء الفساد» وما شاكل. لكن الطريف بعد كل هذا الاختزال الفظ للسياسة والثقافة والاقتصاد الى قالب تآمري صرف، أن أهل «نظرية المؤامرة» يجنحون الى تفسير الصدامات العنفية وجرائم الاغتيال والتنكيل التي لا تعجبهم على أنها مظاهر عفوية أو تلقائية، أو أعراض حادثة بالمصادفة، ولا يمكن الجمع في ما بينها، أو استيحاء أي شيء من تواترها أو تسلسلها أو تشابكها. تصير أعمال العنف وجرائم الاغتيال عند هؤلاء متولّدة إما عن «عفوية اجتماعية»، وهي عند البعض شاهدة على صراع طبقي، وإما عن «عفوية سيكولوجية»، كما لو أن جماعة أو نظاما فقدا أعصابهما ما دفعهما الى تنظيم جرائم قتل «انفعالية»، وبالتالي لا تدخل تحت مسمّى «القتل العمد»، وإما عن «عفوية جمالية»، بمعنى أن أعمال العنف وجرائم الاغتيال هذه، ربما تكون صادمة للمعايير الأخلاقية والذوقية المعتمدة، إلا أنها لا تخلو من جمالية ما، بل ومن جمالية مباشرة، أي من عرض فني ما بعد حديث، وبدعوة عامة وفورية. فالقتلة في زحلة نفّذوا في هذه الحالة عمليتهم، لأنهم قرأوا «الأنتي أوديب» لجيل دولوز وفيليكس غاتاري، وفهموا أن «الفصام» صنو الحرية وسبيل التمرّد على الأوضاع السائدة. والمتمرّدون في رومية قاموا بما قاموا به بعد قراءتهم لمؤلف ميشال فوكو في تاريخ السجون، وتحت عنوان «المراقبة والمعاقبة». السياسة مؤامرة. الاقتصاد مؤامرة. الثقافة مؤامرة. أما الأمن والظواهر الأمنية فعفوية خالصة، ويمكن أن تجد ثقلاً تأويلياً لها من عند جيل دولوز وفليكس غاتاري وميشال فوكو. هكذا تفصح «العفوية الأمنية» عن نفسها، كمقلب آخر «لنظرية المؤامرة». يلبس العمل الأمني محمولات اجتماعية وسيكولوجية وفنية، ويبعد عنه كل اتهام جرمي وكل حيثية تحقيقية وكل مساءلة وكل تعقّب. المجرمون عفويون، أما الضحايا فمتآمرون. المصدر:السفير ارسال لصديق
فقط الأعضاء المسجلين هم يستطيعوا اضافة تعليقات. قم بتسجيل الدخول أوالتسجيل بالموقع. |