Thursday, 08 January 2009
الافتتاحية arrow إبداعات arrow ياسمين الشام.. الضوع يواجه التضييع!
ياسمين الشام.. الضوع يواجه التضييع! ارسال لصديق
التقييم العام: / 0
سىءممتاز 
Monday, 28 April 2008

ياسمين الشام 

ليس مجرد حنين الى ايام وسنوات خلت, وليس لأن الياسمين ( احلى من كل الورود) بضوعه وشذاه وليس لأننا في هذه الايام نحتفي بأيام ياسمين الشام.. بل لأن الياسمين- عنوان الشام,

ونسيم دمشق, وعطر الماضي وضوع الحاضر المحاصر- ربما ما عاد ينفث النعيم الى الرئات, ومنها الى الافئدة والقلوب والادمغة ايضا, وعبرها جميعا الى مركز العصب , فالسكينة المشتهاة بعد يوم مجهد.‏

كنا في الربيع الدمشقي- الشامي- السوري- نشعر اذ نتمشى في الازقة او في الشوارع اننا نستحم بشذى الياسمين وان كل ما في الاجواء نقي مثل الغدران, وان الهواء مشبع بنزيز آسر مستل من ازاهير غابات عذراء. لذلك كانت قلوبنا تثب الى حناجرنا وعيوننا تضحك او هي تبتسم قبل شفاهنا, كان كل شيء حولنا في حالة عشق. لست أدعى زوالا نهائيا او أفولا ابديا لحالات العشق عبر نسيم يضمخ اجسادنا وارواحنا بالياسمين, لكن ما فعلته الحضارة بتغيير الاجواء- وما فعله الانسان- اذ يصر على تسميم المناخات وخرق حرمة خيمتنا الزرقاء- قد القى بكل الهنات والعثرات والخوانق الى حيث دروبنا, فاهتزت منا الخطوات قسريا- الزحمة والشوارع التي ما عادت تتسع للعربات ودخانها وضاقت الاز قة بسيارات تنفث السموم التي ما لبثت ان بدأت تطبع قبلتها المميتة على الورد والزهر, وما الياسمين الا الرقيق الذي إن لامسته اناملك خلت انه قدم اليك- وطبع على الانامل مايحييك او ينعش روحك فيصبح هو صريع العطاء.‏

لاشك ان ميزة الشام التاريخية في الاشهر كلها هذا الاريج الذي يبقى حيا في دواخلنا حتى إن لم يكن الموسم موسمه. وإذ اراني استغرب ان يكون للياسمين عيد في هذه الايام- وتنتشر اعلاناته على الاعمدة في وسط شوارع المدينة فإنني ألمس- عميقا في الارواح من حولي- ذلك التمسك بعبق الماضي- السمة الابدية لبلادنا الحلوة.‏

ياسمين- أي قدرة لك على البقاء والثبات والصمود إن لم تكن حضين الافئدة وساكن الالباب والمعبر عن التوق الانساني لطبيعة تبدد من امامنا وعن دواخلنا كل اثر من آثار,(ذلك التقدم الهمجي للآلة التي كانت للناس نعمة ومن ثم هي نقمة).‏

هل النزوع إلى الرومانسية استغراق في الغوص إلى اعماق مندثرة ام هو شارة إلى ان الواقعية المثخنة بجراح ادوات وانتاجات وابداعات تحمل على اليقين بأن التصحر آت لاريب فيه وبأن القادم من الاجيال ربما حرمت نعمة أن تعيش عصرا زاوج فيه البشر بين الولع بالتقدم والوله بالطبيعة?‏

قال لي صديق قبل ايام متسائلا: هل ( تستطعم بالفروج?) ربما كان يتنظر اجابتي او يتوقعها تماما ( لا.انها حاشاك كالتبن) فضحك واستطرد: كنا نلتهم ( الفروجة) كلها في دقائق. امس ابتعت واحدة, وحاولت انا والاولاد الثلاثة وامهم أن نأتي عليها فلم نفلح- قال ذلك ثم غمرني بنظرة حزن, وقبل ان يمضي عني بعيدا هتف :يمكن السبب اننا كبرنا وما عادت شهيتنا مفتوحة. وهذا صحيح الا في جزء هام منه. ما عادت انفاسنا او بالاحرى ( شهيتنا مثل السابق) ليس بسبب العمر, فعلماء النفس يقولون إن النهم في الطعام من سمات المسنين ربما تعويضا عن شباب ولى.. لذا السبب هو أننا ما عدنا ننعم بصفاء السماء ولا بنقاء الماء ولا بعبير الورد ولا بهدوء تتخطى خلاله انغام الحياة الحدود لتدق على اوتار الاذن والانف والحنجرة والقلب والروح معا. فهذا المكتشف الذي ( يسمن) الفاكهة وينضجها قبل اوانها لتباع بسعر اغلى ,وهذا المزيج الذي يوضع غذاء او (علفا) للحيوانات والطيور ( طير) المذاق الحقيقي لمعظمها, اين ( البلدي) من الفاكهة او من اللحوم في هذه الايام? النهم تحول من نهم (الى الطعام) الى شراهة وطمع وجوع مهيمنين فقط لكنز المال او للاستحواذ عليه وبأي صورة?‏

المفجع في هذا كله ان محاولات الحفاظ على البيئة ومنتجها الانساني العظيم تصطدم بقوى عاتية- انبثقت من عولمة يجب ان تصل الى كل شيء.. وإن بالاكراه.‏

ذات صباح نيساني في لندن- كنت مع الاديب العزيز زكريا تامر تأملنا الطبيعة في حديقة ,الورد جميل المنظر, متنوع ومثير للانتباه.. لكنه بلا رائحة- كأنه ورد صناعي ثبت على اغصان لدنة وتمت آلية رش الماء عليه ليبدو وكأنه تغطى بلحاف الندى. فجأة هتف زكريا: شايف , مناظر وبس. فأجبته: وهذا يشمل الشجر كذلك ولم انتظر العين التي لاترى الا السلبيات- موهبة وبلاء- زكريا- وقلت وربما كثير من البشر هنا على هذه الشاكلة, فهز رأسه وتراقصت السيكارة بين شفتيه اذ انفرجتا عن ابتسامة ارادها عريضة.‏

اخشى على الياسمين- هبة الباري ونعمة الحضارة الانسانية واخشى أن نضيّع ضوعه او نفقده في لجة ( الابداعات والابتكارات) التي تفاجئنا بها شهية الاثراء الفاحش وسلطان المال- قبل أن نتنبه الى حتمية حماية سمائنا وثرانا وشجرنا وهوائنا وصدورنا ورئاتنا وألبابنا واعصابنا.. وذي دعوة مني الى كلنا ان نحتفل بمسير هادئ على ارضنا في الازقة والشوارع والشرفات والحدائق- لكي نقرر اين بعد الان- لابد لكل منا ان يغرس ياسمينه لكي تظل الياسمينة نوارة الشام ورذاذ عطرها ينثال علينا وكأن كلامنا في حالة استحمام بماء الياسمين مرة واحدة في الشهر ( على الاقل).‏

المصدر: الثورة


ارسال لصديق

  أضف تعليق

فقط الأعضاء المسجلين هم يستطيعوا اضافة تعليقات.
قم بتسجيل الدخول أوالتسجيل بالموقع.

 
القائمة الرئيسية
الافتتاحية
أخبار سورية
نوافذ المحافظات
أخبار الاقتصاد
عربي و دولي
تحقيقات ساخنة
مقالات
تعليم و تدريب
عالم المرأة و الأسرة
صحة و علم نفس
تكنولوجيا و اتصالات
إبداعات
رياضة
منوعات
مساهمات القراء
تسجيل الدخول





هل فقدت كلمة المرور؟
ليس لديك حساب سجل الآن
استبيان
ما رأيك بالموقع بشكله الجديد
 
المتواجدون حالياً
يوجد الآن 2 ضيوف يتصفحون الموقع
Top! Top!